ابن الجوزي

53

المنتظم في تاريخ الأمم والملوك

متشاغلا بجمع الغلات والتمور وحطها في السفن ليصعد بها إلى بغداد ، مستهينا بالأمور إلى أن ورد عليه الخبر بانحدار أهله وولده ، ودخول الغز ، فأصعد إلى النعمانية بالسفن التي جمع فيها الغلات ، فورد عليه الخبر بدخول السلطان بغداد ، فكاتب ابن مزيد ليجمع العرب ، ولم يتصور أن السلطان نيته الانحدار ، فجاء ابن مزيد إلى نصف الطريق ثم عاد ثم جاء ثم عاد خوفا وخورا ، فانحدر البساسيري إليه وكان قد وكل بأبي منصور بن يوسف ، فأزال ابن مزيد التوكيل عنه وقال له : هذا وقت التقبيح . وكان البساسيري شاكا في ابن مزيد مستشعرا منه ، إلا أن الضرورة قادته إليه . وعلمت العرب أن السلطان نيته قصدهم وبوادي [ 1 ] الشام ، فتفرقوا ولم يشعروا إلا بورود السرية [ 2 ] إليهم ، وذلك في يوم السبت ثامن ذي الحجة من طريق الكوفة ، فقال البساسيري لابن مزيد : الرأي كبسهم الليلة ، فإنّهم قد قدموا على كلال وتعب . فامتنع وقال : نباكرهم غدا . فراسل أنوشروان ابن مزيد والتمس الاجتماع معه ، فالتقى به فقال له أنوشروان : إن عميد الملك يقرئك السلام ويقول لك : قد مكنت في نفس السلطان من أمرك ما جعلت لك فيه المحل اللطيف ، والموقع المنيف ، وشرحت له ما أنت عليه من الطاعة والولاء ، ويجب أن تسلم هذا الرجل ، ويسلم كل من في صحبتك ، فما الغرض سواه ، ولا القصد يتعداه ، لما اقترف من / عظيم الجرم ، وإن امتنعت واحتججت 29 / أبالعربية وذمامها وحرمة نزوله عليك فانصرف عنه ودعنا وإياه . فقال : ما أنا إلا خادم للسلطان مطيع ، إلا أن للبدوية حكمها ، وقد نزل هذا الرجل عليّ نزولا ، وما آثرته ولا اخترته ، بل كرهته ، وقد طال أمر هذا الرجل ، والصواب أن نشرع [ 3 ] في صلاح حاله واستخدامه . فقال أنوشروان : هذا هو الصواب ، ونحن نبعد عنكم مرحلة وتبعدون عنا مثلها

--> [ 1 ] في الأصل : « ولوالي » . [ 2 ] في ص : « سرية » . [ 3 ] في ص : « نشرح » .